بن عيسى باطاهر
221
المقابلة في القرآن الكريم
بما جاء بهم إليها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ ( 71 ) [ الزمر : 71 ] . أما المشهد الثاني فهو صورة أخرى مناقضة للصورة الأولى ، إنها صورة الجنة وأهلها الذين توجهوا إليها حتى إذا وصلوا هناك استقبلهم خزنتها بالسلام والثناء سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ [ الزمر : 73 ] ، وهيمنت أصوات أهل الجنة بالحمد والدعاء « 1 » . إن قيمة التصوير في عرض الحقائق لا تقف عند حدّ التعبير عن المعاني المجردة ، وتقريبها إلى النفوس في قوالب فنية حسية نابضة بالحركة والحياة والحوار فحسب ، بل بما يضيفه التصوير من جمال فني على التعبير يناسب غرائز النفوس ، ويفي بحاجاتها إلى الإقناع العقلي والتأثير الوجداني « 2 » . وإن الذي يزيد التعبير قوة في العرض ، وجمالا في الأداء هو اجتماع المقابلة مع التصوير - كما هو الحال في هذه الآيات التي عرضناها - فحينئذ تجتمع الصورة وما يقابلها ، والمشهد وما يناقضه فتكتمل جميع الأجزاء في الصورة ، وهذا يتيح للمتلقي مجالا واسعا للنظر والاستدلال ، ويعطيه قدرة على التمييز بين الأشياء في صورها المتقابلة . وطرق العرض التي يختارها القرآن هي التي ميّزت الأسلوب القرآني عن بقية فنون القول البشرية ، وجعلت منه نموذجا فريدا للبلاغة في أعلى مستوياتها . ( ج ) المقابلة طريقة في الإقناع : الإقناع هو حمل النفوس على فعل شيء أو اعتقاده أو التخلي عن فعله واعتقاده « 3 » ، وهو بالمعنى الواسع أن « يحمل الكلام إنسانا ما أو جماعة على
--> ( 1 ) سيد قطب - مشاهد القيامة في القرآن - ص 146 . ( 2 ) بن عيسى عبد القادر با طاهر - أساليب الاقناع في القرآن الكريم - ص 120 . ( 3 ) حازم القرطاجني - منهاج البلغاء وسراج الأدباء - ص 20 .